ابن تيميه
30
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
أصلا ، فإنه إذا كان لا بد له من الوصول إلى المسجد ومن ثم الصلاة فيه لم يبق إلا أنه يقصد ذلك في ابتداء السفر . فإذا لم يقصده فإنه يكون جاهلا بأن ذلك مستحب مشروع كما يوجد عليه كثير من الجهّال يظنّون أن المشروع إنما هو السفر إلى القبر والسفر إلى المسجد تبع للقبر ، فإذا عرّف الجاهل بسنته المعلومة عند جميع علماء أمته ثم من بعد ذلك يشاقّ الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين ؛ فإن اللّه يولّيه وما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرا . فإذا لم يعرف أن إماما من أهل الاجتهاد قال : إنه يستحبّ السفر إلى مجرد القبر دون المسجد وإن كان المسافر يعلم أنه إنما يصل إلى المسجد وإن سفره مشروع ، ثم لا يقصد ذلك فيكون سفره مشروعا مستحبا ، هذا مما يقطع بأنه لا يقوله عالم . فإذا لم يثبت ذلك سلم الإجماع المذكور ، وإن قدر أن هذا قول ثالث كان ذلك قولا خفيا قاله بعض المتأخرين لم يبلغ المجيب ، والمجيب ذكر إجماع العلماء الذين عرفت أقوالهم في هذا الحديث وفي هذه المسألة ، وهذا مبسوط في مكان آخر . والمقصود هنا أن ما حكاه عن المجيب أنه يحرم زيارة قبور الأنبياء وزيارة القبور كذب بيّن على المجيب ليس في الجواب ، وإنما فيه السفر خاصة . وكلام المجيب فيما لا يحصيه إلا اللّه يبين كذب النقل وأنه يستحب زيارة قبور المؤمنين عموما فضلا عن الصالحين والأنبياء ، بل نفس السفر الذي ذكر فيه القولين ، لم يذكر أنه يختار أحد القولين بل ذكر حجة هؤلاء وهؤلاء ، فكيف يجوز أن يحكي عنه أنه حرم زيارة قبور الأنبياء والصالحين وسائر القبور ، وأنه ادّعى أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها ؟ من المعلوم لكلّ من قرأ شيئا من العلم ما في كتب العلماء من إباحة زيارة القبور للرجال أو استحباب ذلك ، وذكر النزاع في زيارتها للنساء . هذا موجود في الكتب الصغار والكبار ، وقد قرأه المجيب وقرئ عليه مرات لا يحصيها إلا اللّه ، وليس هذا مما يخفى على آحاد الطلبة الذين يحضرون عنده . فكيف يحكي إجماع المسلمين على أن زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور معصية محرمة ؟ ولو كان لهذا القاضي نوع عقل وحكي له ذلك عن آحاد الطلبة لم يصدقه وقال : هل في الإسلام من ينتسب إلى أدنى علم يقول : إن زيارة القبور معصية محرمة مجمع عليها ؟ فهل في الإسلام شخص يحكي الإجماع على تحريم زيارة القبور مطلقا ؟ وإذا كان هذا ما يعلم انتفاؤه عن جميع المسلمين كان انتفاؤه عن المجيب أولى ؛ فكان الواجب عليه أن يكذّب ناقل ذلك فضلا عن أن يكون هو الناقل عن جواب قد رآه الناس وعلموا أنه ليس فيه ذلك ، وإنما فيه ذكر الخلاف في السفر إليها ، والسفر إليها مسألة وزيارتها بلا سفر مسألة . وأما قبر النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم فالسفر إلى زيارته هو السفر إلى مسجده ، والسفر إلى مسجده